العيني

245

عمدة القاري

مالك بن النجار بركت على باب المسجد ، وهو يومئذٍ مربد ، فلما بركت ورسول الله عليه السلام ، عليها لم ينزل ، وثبت فسارت غير بعيد ، ورسول الله ، عليه السلام ، واضع لها زمامها لا يثنيها به ، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى منزلها أول مرة ، فبركت ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها ، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد ، رضي الله عنه ، رحله فوضعه في بيته ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل عنده حتى بنى مسجده ومساكنه ، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيوب ، ويقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام عند أبي أيوب سبعة أشهر ، وبعث وهو في بيت أبي أيوب زيداً وأبا رافع ، من مواليه ، فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه ، وسودة زوجته ، رضي الله عنهن ، قلت : فعلى هذا إنما نزل النبي صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن الهدم وهو أوسي من بني عمرو بن عوف ، وفي الثاني : على أبي أيوب خالد بن زيد ، وليسا ، ولا واحد منهما ، من أخواله ولا أجداده ، وإنما أخواله وأجداده في بني عدي بن النجار ، وقد مر بهم ، ونزل على بني مالك أخي عدي ، فيجوز أن يكون ذكر ذلك تجوازاً لعادة العرب في النسبة إلى الأخ ، أو لقرب ما بين داريهما . وقال النووي : ( أجداده أو أخواله ) شك من الراوي ، وهم أخواله وأجداده مجازاً ، لأن هاشماً تزوج في الأنصار . قوله : ثم تحلحلت يقال : تحلحل الشيء عن مكانه أي : زال ، وحلحلت الناقة ، إذا قلت بها : حل ، وهو بالتسكين ، وهو زجر لها ، وهو بالحاء المهملة . قوله : ورزمت ، بتقديم الراء على الزاي المعجمة ، يقال : رزمت الناقة ترزم وترزم رزوما ورزاما بالضم ، قامت من الإعياء والهزل ، ولم تتحرك ، فهي رازم . قوله : جرانها ، بكسر الجيم ، وجران البعير : مقدم عنقه من مذبحه إلى منخره ، والجمع : جُرُن ، بضمتين . قوله : ( ستة عشر شهراً ، أو سبعة عشر شهراً ) كذا وقع الشك في رواية زهير ههنا ، وفي الصلاة أيضاً عن أبي نعيم عنه ، وكذا في الترمذي عنه ، وفي رواية إسرائيل عند الترمذي أيضاً ورواه أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال : ستة عشر ، من غير شك . وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص ، والنسائي من رواية أبي زكريا بن أبي زائدة وشريك ، ولأبي عوانة أيضاً من رواية عمار بن رزيق ، بتقديم الراء المضمومة ، كلهم عن أبي إسحاق ، وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف : سبعة عشر ، وكذا للطبراني عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف : سبعة عشر ، وكذا للطبراني عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، ونص النووي على صحة : ستة عشر ، لإخراج مسلم إياها بالجزم ، فيتعين اعتمادها . وقال الداودي : إنه الصحيح قبل بدر بشهرين ، وهو قول ابن عباس والحربي ، لان بدراً كانت في رمضان في السنة الثانية ، ونص القاضي على صحة : سبعة عشر ، وهو قول ابن إسحاق وابن المسيب ومالك بن أنس . فان قلت : كيف الجمع بين الروايتين ؟ قلت : وجه الجمع أن من جزم بستة عشر أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهراً ، والغى الأيام الزائدة فيه ، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معاً ، ومن شك تردد في ذلك ، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف ، وكان التحويل في نصف رجب في السنة الثانية على الصحيح ، وبه جزم الجمهور . ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس ، وجاءت فيه روايات أخرى ، ففي ( سنن أبي داود ) : ثمانية عشر شهراً ، وكذا في ( سنن ابن ماجة ) من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق ، وأبو بكر سئ الحفظ ، وعند ابن جرير من طريقه في رواية : سبعة عشر ، وفي رواية : ستة عشر ، وخرجه بعضهم على قول محمد بن حبيب : إن التحويل كان في نصف شعبان ، وهو الذي ذكره النووي في ( الروضة ) وأقره مع كونه رجح في شرحه رواية : ستة عشر شهراً ، لكونها مجزوماً بها عند مسلم ، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان ، وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة ، وحكى المحب الطبري : ثلاثة عشر شهراً ، وفي رواية أخرى : سنتين ، وأغرب منهما : تسعة أشهر ، وعشرة أشهر ، وهما شاذان . وقال أبو حاتم بن حبان : صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً وثلاثة أيام سواء ، لأن قدومه ، عليه السلام ، من مكة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، وحولت يوم الثلاثاء نصف شعبان ، وفي تفسير ابن الخطيب عن أنس : أنها حولت بعد الهجرة بتسعة أشهر وهو غريب ، وعلى هذا القول يكون التحويل في ذي القعدة إن عد شهر الهجرة ، وهو ربيع الأول ، أو ذي الحجة إن لم يعد ، وهو أغرب . وفي ابن ماجة : إنها صرفت إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين ، وقال إبراهيم بن إسحاق : حولت في رجب ، وقيل : في جمادى ، فحصلت في تعيين الشهر أقوال ، والله تعالى اعلم . قوله : ( صلاة العصر ) كذا هو ههنا : صلاة العصر ، وجاء أيضاً من رواية البراء ، أخرجها البخاري في الصلاة ، وفيه : فصلى مع النبي ، صلى الله تعالى عليه